بسم الله الرحمن الرحيم
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)في المناجاة المُسماة بالشعبانية: (إلهي هب لي قلباً يُدنيه منك شوقه).
وقال الإمام زين العابدين في مناجاته المُسماة بالعارفين: (إلهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، وفي رياض القرب والمُكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأ س الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون) .
وقال (صلوات الله عليه) في مناجاته المُسماة بالمحبين: (واجعلني ممن دأبهم الارتياح إليك والحنين ودهرهم الزفرة والأنين).
هذه نماذج من تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) تربي فينا همّ الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، والشوق توقان النفس إلى محبوب حاضر من وجه وغائب من وجه آخر، كتلك الوالدة التي يُهاجر عنها ولدها.. معشوقها، فإنها تشتاق إليه لأنه غائب عن ناظرها و لكنه حاضر في ذهنها، فحضوره في الذهن هو الذي يُبقي الشوق مُتأججاً، وإلا لو طالت المدة ونسيته فلن تشتاق إليه.
وبالنسبة لخالقنا فإننا فهو الغائب عن أنظارنا لكنه الحاضر في عقولنا وقلوبنا، نشتاق إليه حتى لو لم نراه ولن نراه بأعيننا مُطلقاً، إلا أننا نراه بقلوبنا، (عميت عين لا تراك عليها رقيبا)، واحتجابه عن أنظارنا مدعاة للشوق إلى معرفته.
عطاءات وعلامات الشوق:
وللشوق عطاءات تقودنا ليكون همَّنا ومُبتغانا، كما أنّ هذه العطاءات نفسها علامات تكشف عن صدق محبة العاشق وشوقه إلى لله سبحانه وتعالى، ومن هذه العطاءات:
أولاً: التلذذ بالعبادات وعدم استثقالها، فالعاشق يتلذذ بخدمة معشوقه وإن كانت الخدمة شاقة، حتى تمتد حالة التلذذ عن بعض العاشقين إلى التلذذ بالمصيبة، وشكر الله عليها، فكلما يصدر من الجميل جميل.
ثانياً: بغض ما يبغضه المعشوق، وتعالى يبغض الدنيا، لأنها تحول بينه وبين عباده، إذ في الخبر: (إنّ الله لم يخلق شيئاً أبغض إليه من الدنيا).
ثالثاً: حب الخلوة مع معشوقه، فيطلع إلى ظلمة الليل وهدوئه لمناجاة محبوبه.. فالعاشقون ينتظرون الليل ليمتطوه في عروجهم إلى الله سبحانه وتعالى
رابعاً: الوحشة من الناس، لأن الأنس بهم يشغل قلب العاشق عن معشوقه، بل قد يؤدي إلى سخط الله، بخلاف الإنس بالصالحين، وزيارة المؤمنين، ومساعدة المحتاجين فإنه من مصاديق الأنس بالله.
خامساً: وحدة الهم، فتصبح كل الهموم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية وغيرها، نابعة ومُنطلقة ومتجهة إلى الله فحسب دون سواه كما في دعاء سيد الشهداء (عليه السلام): (أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يُحبوا سواك).
سادساً: حب الموت، باعتبار موعد للقاء، ومتمني الموت يعني أنه تأهب لملاقات محبوبه، قال تعالى: (فتمنو الموت إن كانت صادقين).ولذا نجد الإمام الحسين (ع) قد ضحى بنفسه وأولاده وخيرة أصحابه في سبيل معشوقه، وقد نُسب إليه قوله (عليه السلام):
هجرت الخلق طرا في هواكا * وأيتمت العيال لكي أراكا
ولو قطعتني في الحب إربا * لما جنّ الفؤاد إلى سواكا
عوامل تحصيل الشوق:
ولهذه العطاءات الضخمة يجب أن يكون الشوق هماً وهداً ننشده ونتطلع إليه، وهناك عوامل مهمة في تحقيق هذا المطلب العالي:
العامل الأولً: معرفة الإنسان بربه، وكلما ازدادت المعرفة القلبية هي التي يتطلع إليها الإنسان، ازداد شوقه، قال تعالى: ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا). وإذا تجلت أنوار المعرفة على قلب الإنسان كان عاشقاً، لكن المراد من المعرفة الموجبة للعشق ليست تلك المعرفة العقلية، بل تلك المعرفة التي نزلت من محطة العقل وأشرقت على قلب الإنسان، كما في الخبر ليس العلم في السماء فينزل إليكم، ولا في تخوم الأرض فيصعد إليكم، وإنما جبل في جبلتكن، فتخلقوا بأخلاق الله يظهر لكم.. تلك المعرفة النازلة من العقل إلى القلب بسبب الإخلاص لله سبحانه وتعالى، كما يُشير إليه الخبر المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي يقول: (من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).
ولبيان المائز الكبير بين المعرفة العقلية والقلبية، الحال الذي يتميز به ذلك البحار الكبير في السن، عن ذلك المثقف المرتدي ربطة عنق غالية الثمن، وشهادة من أرقى الجامعات، وراتب فخم، فما الذي جعل ذلك الرجل الشيبة مُطمئناً، قانعاً، راضياً، متوكلاً؟ وما الذي جعل ذلك المثقف مُتبرماً، مهموماً مغموماً؟ إنها المعرفتان، فمعرفة الرجل العجوز قلبية، بينما معرفة ذلك الشاب المثقف عقلية لم تنزل إلى القلب، فالعشق مقام من مقامات القلوب وليس من مقامات العقول المحضة.
العامل الثاني: التقرب إلى الله بطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) وطاعة أهل بيته (صلوات الله عليهم) فطاعتهم موجبة لمحبته سبحانه، قال تعالى: (إن كنتم تُحبون الله فاتبوعني يُحببكم).ومن علامات العشق الصادق إطاعة العاشق أوامر معشوقه ونواهيه، وإيثار محبته على محبة سواه، فالمحب لمن أحب مُطيع، وإلا لما كان صادقاً في حبه وشوقه.
العامل الثالث: حضور القلب في العبادات: قال (ص): (الفترة آفة العبادة)، والفترة الانكسار والضعف ولا يكون ذلك إلاّ لعدم التوجه وحضور القلب الذي هو روح العبادة، فإنه كلما كان الحضور أكثر، كان الشوق والذوق والنشاط أكثر.
العامل الرابع: المداومة على الطهارة الباطنية والظاهرية، قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، فمن طهر باطنه بالتوبة من المعاصي واجتنبها، و طهر ظاهره بالماء حصل الشوق إلى الله في قلبه، واللذة بعبادته، وشاهد بأنوار قلبه الأسرار الملكوتية، ولذا ورد في الخبر بأن الوضوء على الوضوء نور على نور.
العامل الخامس: ذكر الله: (بذكرك عاش قلبي). فعندما ينتعش القلب بالحياة المعنوية، فسوف تنبض دقاته بالشوق. وفي الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله): (من أكثر ذكر الله عزّ وجل أحبه الله)، وفي الحديث القدسي: (أنا جليس من ذكرني)، وهذا كله موجب للأنس والمحبة وتعميق الرابطة.
العامل السادس: الجوع الذي لا يضر بالإنسان ولا يثقله عن الطاعات، في الخبر، قال عيسى بن مريم للحوارين: (يا معشر الحوارين جوعوا لعل قلوبكم ترى ربكم)، وإذا رأى القلب جمال الله وجلاله عشقه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (أفضلكم منزلة عند الله أطولكم جوعاً وتفكراً وأبغضكم إلى الله كل نؤوم وأكول وشروب)، وكلما كانت مرتبة القرب مُتقدمة كان الشوق مُتأججاً، (إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً).