ملا عيسى بن احمد بن حجي علي بن عبدالحي

نسبه :

هو الحاج ملا عيسى بن أحمد بن حجي علي بن عبدالحي بن محمد بن حجي مهدي بن حسن بن علي بن محمد ، والذي ينتهي نسبه الى ابراهيم بن مالك الاشتر النخعي اليمني .

والدته هي : الحاجة فاطمة بنت الحاج جاسم بن محمد ، وأمها هي خاتون بنت السيد جواد بن السيد حسين الكامل الجدحفصي ، ومنها يأتي الرباط الذي يربط عائلة الكامل بعائلة عبدالحي ، حفظ الله الباقين ورحم الله الماضين منهم .

وابنائه سته وهم : محمد علي ، وعبدالنبي ، وعباس ، وعبدالرضا ، وعبدالحسين ، وعبدالامير ، أما بناته فهم أربع : مريم ، وفاطمة ، وزينب ، وفتحية ، وكلهم قد تزوجوا في حياته ، وانجبوا ذرية صالحة ، وكلهم من يتوسم فيهم الخير وذلك ببركة حسن تربيته ولطف عنايته .

سيرته وحياته :

كانت ولادته رحمه الله في اليوم الثامن من شهر ربيع الاول من عام 1337 هجري ، الموافق العشرين من شهر يناير من عام 1919م .

نشاء وترعرع في كنف والديه يرعيانه ويعطفان عليه ويلقنانه حنانهما ، خاصة لانه الابن الاصغر بين اخوانه ، وقد عمل واجتهد والده في العناية به وتربيته التربية الحسنة ، فما أن بلغ من العمر السابعة حتى أرسله الى المؤدب الحاج ملا جاسم بن عبدالله بن ابراهيم ، والذي علاوة على قربه من منزل العائلة كان قد اكتسب شهرة وسمعة طيبة قي قدرته وكفاءته في اداء وظيفته لتعليم القرآن وتحفيظه ، اضافة الى بعض القيم والعادات الاجتماعية ، وكان ذلك في عام 1344 هجري ، الموافق 1926م ، وقد عمل على العناية والاهتمام به حيث أتم حفظ القرآن وهو بعد لم يتجاوز سن الحادية عشرة ، وكان ذلك في عام 1347هجري ، الموافق 1929م.

هذه المعلومات استقينها من ابن العمة الكبيرة المرحوم الحاج أحمد بن الحاج علي بن حسن ، المتوفي صباح يوم الجمعة 12 شعبان 1400هجري ، الموافق 25 يونيو 1980م عن عمر ناهز 95 سنة .

بعدها بدأ ينخرط في مهنة العائلة ، وهي (الزراعة) ، والتي كانت تشغل معظم أوقاته ، ومع ذلك فان الرغبة في العلم والاستزادة من مناهله كانت الامنية التي تراوده ، كما هو الحال مع معظم أقرانه في ذلك الوقت .

ولقد وجد بعض ضالته في تلك الدروس التي كان ينهل منها بعض الاحكام الشرعية والدينية ، علاوة على تعلم الكتابة والخط لدى الحاج ملا جاسم بن الشيخ ، حيث وجد منها معينا يسد بعض الرمق في المزيد من الاستزادة ، وقد صحبه لتلك الدروس أخويه الأكبرين منه عبدالله وحبيب ، اضافة الى بعض الاقارب كالحاج أحمد بن علي بن حسن ، والحاج حسن بن يوسف رحمهم الله جميعا .

الى هذا وذاك ، فقد بدأ واضحا شغفه بقراءة وحفظ الشعر خاصة المراثي الحسينية ، وقد كان ينتهز الفرصة المناسبة ليحفظ مرثية أو قصيدة ليقوم بجمع أقرانه ( ومنهم المرحوم السيد هاشم السيد عاشور والحاج جعفر بن فردان وغيرهم ) ، ممن كان في سني عمره ليقوم بتضمينها في المجلس الحسيني الذي يقوم بالقائه عليهم ، ولاشك أن تكرار ذلك جعل من مثل هذا الامر مما ينمو الى علم كبار ورجال أفراد العائلة ، والذين بدورهم لقي مثل هذا الفعل استحسانهم ومن ثم تشجيعهم له ليقوم بصقل هذه الموهبة والمهارة ، ومن هنا جاء التحاقه بالمرحوم الحاج ملا جعفر بن عبدعلي بن صادق علي ، والذي عرف عنه اهتمامه وتشجيعه ورعايته للمبتدئين الى جانب ما اكتسبه من شهرةوسمعة طيبة في مجال القراءة الحسينية .

بدأ المرحوم الحاج ملا جعفر بن عبدعلي بن صادق علي بالعناية به ، مركزا في بداية المشوار على أهمية حفظ وكتابة بعض القصائد الشعرية ، وتشيعه على المطالعة ، اضافة الى ارشاده وتعليمه بالاصول والمبادئ الاساسية والمتبعة من حيث تركيبة المجلس الحسيني (تقسيم المجلس وتوزيع أطواره) وما هي الا فترة بسيطة بقي خلالها ملازما للمرحوم الملا جعفر حتى بدأ ينفصل بالخطابة ، وذلك اعتبار من موسم عام 1367هجري ، اضافة الى ذلك فلقد استمر في مواصلة تحصيل العلوم الدينية عند سماحة العلامة المرحوم الشيخ عبدالحسن بن الحاج سلمان آل الطفل ، وذلك قبل افتتاح مدرسته الدينية حيث درس على يديه النحو العربي ((متن الاجرومية)) اضافة الى مقدمات في الفقه ، وممن درس معه رحمه الله في تلك الفترة سماحة الشيخ سليمان بن المرحوم الشيخ محمد علي المدني الذى كان يدرس مقدمات الفقه لدى سماحة المرحوم الشيخ عبدالحسن ، وذلك قبل توجهه الى الدراسة الحوزوية في مدينة النجف الاشرف .

استمر المرحوم في دراسته ، والتتلمذ على يد المرحوم الشيخ عبدالحسن ، وذلك حتى أنهى المستوى المقرر ، وذلك في العام 1370هجري ، الموافق 1951م.

وكما سبق فاعتبارا من موسم عام 1367هجري ، بدأ القراءة بمنطقة النويدرات لمدة موسمين ، وذلك بترتيب من المرحوم ملا حسن بن حجى منصور الديهي ، ثم أعقبتها ولمدة موسمين أيضا في سترة قرية مهزه لدى أبناء الحاج أحمد بن صالح ، ثم تواصل عطائه في هذا الجانب الى العديد من قرى البحرين ، ظل حتى اختار الله شقيقه عبدالله عندما تحمل المسئولية كاملة عن المأتم ، فظل يقرأ في المأتم ليلا وصباحا ، تفرغ للقراءة قي باقي المناطق عصرا ، وظل التزامه بالمنبر حتى عجزه رحمه الله في أواخر سني عمره ، فلقد استمر خادما للمنبر الحسيني حيث تميزت مجالسه بالصدق والتفاعل الوجداني والاخلاص لله سبحانه وتعالى ولمحمد صلى الله عليه واله وسلم ولعترته الطاهرة ، بعيدا عن كل بهرج وزخرف من زخارف هذه الدنيا ، فرحمه الله وجعل الله أوليائه وسادته خير شفعاء له في دار آخرته .

ولئن حفظ الله له القدر وتوفيق الله سبحانه وتعالى الاستمرار ومواصلة العمل في مهنة الخطابة حتى أعجزه المرض عنها ، فان القدر كان أسرع في تخليه وتنحيه عن مهنته الاولى ومهنة آبائه وأجداده (مهنة الفلاحة) ، فأعتبار من ديسمبر للعام 1966م ، الموافق شعبان لسنة 1386هجري كان اخر مطافه بها وذلك بعد أن قام المرحوم الحاج حسن محمود بشراء المزرعتين اللتان كان يقوم بالعمل بهما ، وهما ((محي الدين والماموية)) حيث كان يضمنهما بعقد من مالكهما ، وقد قام الاخير بشرائهما وتحويلهما الى مخطط سكني بعد أن قام بقطع النخيل وقسم الارض وباعها في شكل قسائم سكنية للمواطنين.

تحمل العديد من المهام والمسئوليات العائلية منذ صغره ، فقد شاءت ارادة الله أن يصاب والده في عينيه ويكف بصره ى، وقد بقي ملازما له يرعاه ويعتني به ويصحبه لقضاء فروضه في المسجد القريب من منزلهم ، حيث ظل وفيا له ورهن اشارته حتى وفاته رحمه الله .

تزوج في الليلة الثانية من شهر ربيع الثاني من عام 1364هجري ، الموافق 15 مارس 1945م ، وقد رزقه الله من الذرية الصالحة ممن حباهم الله بالهداية والرعاية.

كانت العائلة تحمله مسئولية الاهتمام والرعاية باحدى المزارع التى تستاجرها خارج المنطقة ، وقد كان يظعن بها خلال موسم الصيف ، حيث يقوم بالعناية بالنخيل وجني الرطب وتجفيف الفائض منه، ومن ثم تعبئته في أكياس ليتم بيعه واستهلاكه في ما يتبقى من العام ، وقد استمر في ذلك حتى صيف العام 1952م عند ما انتقل أخاه الاكبر عبدالله الى جوار ربه في صبيحة يوم الثلاثاء 14 ربيع الاول 1372هجري ، الموافق الاول من ديسمبر 1952م ، وذلك بشكل مفاجئ أثر نوبة قلبية ، وهو الذي كان يتحمل مسؤولية العائلة.

هنا بدأ التحول الأكبر في حياته عندما أنيطت به مسئولية ورعاية الاسرة ، وذلك بتزكية جميع الأهل والأقارب ، الامر الذي ألقى عليه حجما من المسئوليات أكبر من ذي قبل وظل ينؤ بهذا الثقل وحتى وفاته رحمه الله ، وقد ظل متمتعا بصحة جيدة مداوما على فعل الخيرات كما نذر نفسه ليكون خادما لأهالي المنطقة ، وخاصة تجهيز الموتى والصلاة عليهم ورعاية شئونهم ، ولقد ظلت تلك سجية وميزة امتازت بها منطقة السنابس على ما عداها من القرى المجاورة .

كما ظل مجلسه مفتوحا محافظا على طباع وعادات الأجيال السابقة، والتى كانت مجالسهم تفتح اعتبار من الفترة التى تلي صلاة الفجر وحتى انصراف الأهالي الى أداء أعمالهم مع مطلع يوم عمل جديد، كما ظل مشرفا على شئون المأتم والمسجد يتعهدها بالرعاية والاهتمام الى أن أختاره الله الى جواره صبيحة يوم الاثنين الثالث من شهر ذي القعدة الحرام لسنة 1418هجري ، الموافق الثاني من مارس 1998م ، بعد أن اقعده المرض خاصة في السنتين الاخيرتين من عمره.

وقد تم تشيعه ودفنه بعد ظهر ذلك اليوم وبحضور عدد كبير من رجالات الطائفة من علماء وخطباء وطلبة علم ، ناهيك عن جملة من أبناء المنطقة وشخصيات أخرى من داخل البحرين وخارجها ، فرحمه الله حين ولد وفي مماته ، وحين يبعثه الله مع من أحبهم وأخلص في ولائهم وجعلهم خير شفعاء له عند ربهم ، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم .

صفاته:

امتاز المرحوم بالعديد من الصفات والسجايا ، والتى دلت على طيب ودماثة خلقه ، وبحيث أن الواحد منها مما يعجز القلم عن سطره والتعبير عنه في هذا الايجاز ، وللامانة و بلا ادنى مماطلة فانه يكفيك اللقاء به ولو بشكل عابر ، حتى تجد نفسك مشدودا اليه وبين أتون محموعة من الخصال والخلق الرفيع التى تجتذب اليها وتشعر نحوها بالامن والطمأنينة والحنان والعطف ، ولا يخال لك بان هذا الشخص الذى أمامك انما تلتقي به للمرة الاولى في حياتك ، بل وأنه لم يكد يمضى على معرفتك اياه سوى دقائق معدودات يكفيك مجرد التأمل في سمات وجهه، تتعمق في بساطته التى يضفي عليها هدوءه بعدا اضافيا ، تنتبه فجأة وسريعا لتجد نفسك أمام شخصية بسيطة جدا ، طبيعية بعيدة عن كل تزلف وتكلف ، ربما لا تزيد في الكثير من معطياتها عن العديد من الشخصيات التى تلاقيها في كل حين وبالعشرات بل وبالألاف ، سوى من ذلك الايمان الصادق والمخلص لله سبحانه وتعالى ولمحمد صلى الله عليه واله وسلم وعترته الطاهرة ، وأئمته السادة الاطهار عليهم السلام ، قولا وعملا ، لا أجد سرا لتفسير هذه الجاذبية وهذا السحر في شخصيته الكريمة سوى هذا التفسير ، ولا اجد جانب الصواب والحقيقة في ذلك ، فلا شك أنني عندما أجدني أمر بالعديد من خصاله لا أجد وصفا ينطبق عليها بأكثر مما لو كان تعميمها وتطبيقها وتفصيلها وفق مقاييس ما كان يعتقد ويؤمن به ويقوم بتنفيذه عمليا .

كان تقيا ورعا زاهدا متحرجا على دينه في المستحبات فضلا عنه في الواجبات ، كان مداوما على صلاة الليل منذ تكليفه ، كان كثير ما يحث أبناءه ومستمعي مجالسه على أهمية هذه الصلاة وهذا السلوك ، طوع نفسه منذ صباه على هذه العادة وهذا السلوك القويم ، حتى باتت جزء من سلوكه اليومي ، ولا شك أن الكثير من الجاذبية في شخصيته الكريمة كان مرده ومبعثه الى ذلك ، لما لهذا السلوك من انعكاس ايجابي على نفسية وشخصية المداوم عليها .

كان قد استلم رعاية والاهتمام بشئون مسجد السيد ابراهيم عن والده ، حيث ظلت مسئولية التناوب على خدمة المسجد ارثا في العائلة أبا عن جد ، حيث يتم فتح المسجد لمواقيت الصلاة الثلاثة ، ولا يمكن أن تنسى اضافة الى ذلك بأن هذا المسجد والى ما قبل العام 1983م ((عندما تم بناء مأتم آل عبدالحي)) ، المكان الذي تتم فيه القراءة لاحياء المياقيت المختلفة لعترة النبي الطاهرة ، وبالتالي فلقد لزمته مسئولية المأتم تباعا ، وقد التزم بهذه المسئولية للمأتم بعد تشييده في بناء منفصل ولزم المسئولية حتى وفاته .

من صفاته الايمانية أيضا أنه كان مداوما على استهلال أيامه بقراءة آي من القرآن الكريم ، وكذا دعاء الصباح ، فبمجرد الانتهاء من صلاة الصبح يجتمع في مجلسه والذي هو على بعد خطوات قريبة من المسجد  مع عدد من الاصدقاء والاقارب والذين تعودوا الاجتماع في المجلس يوميا ، ويستهل هذا الاجتماع ببعض من آيات القرآن الكريم يعقبها دعاء الصباح ، ويظل جمع الأحبة مستمرا بعد ذلك حتى يبدءوا في الانصراف مع مطلع ىالشمس ، أ, قبل ذلك بشكل تدريجي لقضاء وأداء أعمالهم ، ولقد ظلت واستمرت هذه العادة الطيبة الحسنة في منزله ، وهي مستمرة حتى يومنا الحاضر بعد أن كادت تنقرض من باقي البيوتات الأخرى بلأن هذا المجلس بالذات بقي يجمع الأحبة أيضا لما بعد فريضة الظهرين أيضا ، ونسأل الله الموفقية لأبنائه لأن يظل هذا المجلس عامرا بأحبائه ، فهي ميزة ويمة حسنة فيها من الثواب الأخروي والمنفعة الاتية لجمع المؤمنين الكثير.

عرف أيضا بالكرم ، وهي عادة لازمت شخصيته وبحيث أنه طبق شعار ما كان له فهو للجميع عمليا ، وأذاب صفة الأنا في الاطار الاجتماعي العام ، فلقد كان مجلسه مضيفا للجميع سواء من أهالي القرية أو المنطقة أو لضيوفه القادمين من دول الجوار .

كان مثالا يحتذى به في صلة الرحم وزيارة اقاربه وأهله والسؤال عنهم وعن أحوالهم ، ان الكثير من سلوكياته قد افتقدناها بعد وفاته وبحيث بات مناسبة المرور باحداها أو مصادفة موقف معين مناسبا أيضا للترحم على روحه ونفسه الشريفة .

كانت هذه الروح الايمانية تدفعه دائما وتعيشه في اطار الطاعة والالتزام التام بأدائه الواجبات الشرعية ، وبشكل يكاد يكون مثاليا ، بل ويكاد أن يكون التزامه وتمسكه بأداء المستحبات وتطويع نفسه لأدائها في نفس المستوى أدائه للواجبات .